ابن عجيبة

66

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

لإبراهيم بن أدهم رضى اللّه عنه : الفقراء إذا أعطوا شكروا وإذا منعوا صبروا ، فقال إبراهيم : هذه أخلاق الكلاب ، ولكن القوم إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا . ه . ثم احترس من الطريق غير المستقيمة ، فقال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي : غير طريق الذين غضبت عليهم ، فلا تهدنا إليها ولا تسلك بنا سبيلها ، بل سلّمنا من مواردها . والمراد بهم : اليهود ، كذا فسرها النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ويصدق بحسب العموم على كل من غضب اللّه عليهم ، وَلَا الضَّالِّينَ أي : ولا طريق الضالين ، أي : التالفين عن الحق ، وهم النصارى كما قال صلى اللّه عليه وسلّم . والتفسيران مأخوذان من كتاب اللّه تعالى . قال تعالى في شأن اليهود : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ، وقال في حق النصارى : قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ . واعلم أن الحق - سبحانه - قسم خلقه على ثلاثة أقسام : قسم أعدّهم للكرم والإحسان ، ليظهر فيهم اسمه الكريم أو الرحيم ، وهم المنعم عليهم بالإيمان والاستقامة . وقسم أعدّهم للانتقام والغضب ، ليظهر فيهم اسمه المنتقم أو القهار ، وهم المغضوب عليهم والضالون عن طريق الحق عقلا أو عملا ، وهم الكفار ، وقسم أعدّهم اللّه للحلم والعفو ، ليظهر فيهم اسمه تعالى الحليم والعفو ، وهم أهل العصيان من المؤمنين . فمن رام أن يكون الوجود خاليا من هذه الأقسام الثلاثة ، وأن يكون الناس كلهم سواء في الهداية أو ضدها ، فهو جاهل باللّه وبأسمائه ؛ إذ لا بد من ظهور آثار أسمائه في هذا الآدمي ، من كرم وقهرية وحلم وغير ذلك . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الطريق المستقيم التي أمرنا الحق بطلبها هي : طريق الوصول إلى الحضرة ، التي هي العلم باللّه على نعت الشهود والعيان ، وهو مقام التوحيد الخاص ، الذي هو أعلى درجات أهل التوحيد ، وليس فوقه إلا مقام توحيد الأنبياء والرسل ، ولا بدّ فيه من تربية على يد شيخ كامل عارف بطريق السير ، قد سلك المقامات ذوقا وكشفا ، وحاز مقام الفناء والبقاء ، وجمع بين الجذب والسلوك ؛ لأن الطريق عويص ، قليل خطّاره ، كثير قطّاعه ، وشيطان هذه الطريق فقيه بمقاماته ونوازله ، فلا بد فيه من دليل ، وإلا ضل سالكها عن سواء السبيل ، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا ، حيث قال : وإنّما القوم مسافرون * لحضرة الحقّ وظاعنون فافتقروا فيه إلى دليل * ذي بصر بالسّير والمقيل قد سلك الطّريق ثمّ عاد * ليخبر القوم بما استفاد